روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

377

عرائس البيان في حقائق القرآن

عرّف اللّه سبحانه قدمه وبقائه خلقه بفناء الدنيا وأهلها ؛ ليتحققوا في معرفته ؛ لأن من دخل في البقاء بغير دخوله في الفناء لم يعرف حقيقة البقاء . سئل الجنيد عن قوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ قال : من كان بين طرفي فناء فهو فان ، وذكره جلاله ووجهه الباقي تسلية لقلوب المشتاقين ، وترويحا لفؤاد الموحدين والعارفين ، أي : أنا أبقى لكم أبدا لا تغتمّوا ، فإن لكم ما وجدتم في الدنيا من كشف جمالي ، ويتسرمد ذلك لكم بلا حجاب أبدا ، أيها العاشقون استبشروا ببقائي ، وافرحوا بلقائي ، وفيه دقيقة وإشارة إلى حبيبه أي : كلهم استمتعوا بتجلياتي ، وكشف الوجه باق لك أبدا ، رأيت وجهي خاصة لك ، ثم العشاق أتباعك في النظر إلى وجهي ، فأول الكشف لك ثم للعموم ، فذكر الوجه خاصة وهو صفة خاصة لأهل الخصوص ، وإن كان وجود القدم جميعه وجها ألا ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام : « إنّ اللّه تعالى يتجلّى لأبي بكر خاصة ، ويتجلّى للمؤمنين عامة » « 1 » ، وذكر الجلال تهيج لأهل المحبة والهيمة . قال الواسطي : الذي أخفى من شاهده للخاصة لا يظهره للعوام ، فسئل : أفرق بين الدارين ؟ قال : نعم ، أعطاهم في الدنيا على السرائر ، وأعطاهم في الآخرة على الظواهر ، استتر في الدنيا بما أظهر من عجائبه ، واستتر في الآخرة بما أظهر على أقدارهم ، وهو الذي لا يطيقه الخلق إلا على من تولّاه بإسبال تغييبه عن شاهده ، نظرت يا فهم في مقام التوحيد إلى تلاشي الكون في ظهور جلال وجهه تعالى ، ورأيت فناءه في بقائه حين ظهر ؛ وذلك لغلبة سلطان إشراق نور القدم على وجود الحدث ، وذلك حين غاب العارف في المعروف ، ولا يدري أين هو ؟ إذ لا أين ، ولا هو إلا هو . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 29 إلى 45 ] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 30 ) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 32 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ ( 33 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 34 ) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ( 35 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 36 ) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 38 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 40 ) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ( 41 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 42 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( 43 ) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 45 )

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 3 / 83 ) بنحوه .